مرحباً بكم
كلمة رئيس مجلس مدينة النبك
رئيس و أعضاء المجلس
قوانين تهم المواطن
أخبار و نشاطات البلدية
اعلانات البلدية
احصائيات عن مدينة النبك
ساعد في تطوير عمل البلدية
صور من مدينة النبك
الاتصال و الشكاوي
كتاب  السيد يوسف خنشت عن النبك
مواقع من مدينة النبك
دليل النبك الشامل
عن الموقع
e-mail me
 

 

لا يمكن أن نكون في موقع عن مدينة النبك و لا نأتي على ذكر أهم الكتب التي قامت بتدوين تاريخ و تراث النبك القديم هذا الكتاب الذي اتحفنا به المرحوم يوسف خنشت ليبقى شاهداً على عادات جميلة منها الذي اندثر و منها الذي بقي حاضراً أو على الأقل حاضراً في ذاكرة شيوخ و كبار النبك , و هنا نستأذن اهلنا و اهل المرحوم يوسف خنشت بأن ننشر صفحات هذا الكتاب كاملة لكي تكون مرجعاً للأجيال الجديدة عن النبك القديمة ,,, النبك الأبية

 

كتاب النبك طرائف الأمس غرائب اليوم    

 

مقدمة المؤلف

 

تسيرٌ عاداتنا المحلّية في سبيلِ الإنقراض . فلا يَمضي يوم بدون أن يدخل عليها شئٌ جديدٌ من صورِ الحياة الجديدة , متسرباً إليها بطريق الإختلاط بأقوامٍ تخلقوا بغير عاداتنا المعروفة . فكاد يمحي ذلك الطابع الذي تمتاز به عن غيرها . حتى لنستطيع القول بأن هذه العادات لا تلبث أن يطويها الماضي مع ما طواه من عادات الأجيال الخوالي , ويجعلها نسياً منسياً , فلا تعود تظهر بعد ذاك إلا بمظهر الأثر الدارس , يروق العين مراّه وتبهج الخاطر أخباره , بما فيها من غريب تأنس إلى غرابته , أو مستهجن ترى فيه لذةً وطرباً .

وقد حملنا هذا الأمر على تدوين بعض هذه العادات المنتشرة في بلدة النبك خصوصاً , وفي القلمون عموما مع بعض اختلافات بسيطة أحيانا , وتصويرها تصويرا بسيطاً صادقاً . فإنَّا لم نتوخَّ أن يكون تصويرُنا أثراً فنيَّاً تبدو عليهِ ملامحُ الصّناعة والكلفة , ولا درساً في العادات ممتعاَ نتأثر فيه أصل تلك العادات وتطورها , بل اقتصرنا على تصويرها في هذا الوضع , متقيدين تقيُّداً تاماً بشكلِها كما كان , بدون زيادةٍ ولا نقصان , لكي تكون تراثاً تستعين به الأجيالُ الآتية على معرفة شكل حياة أسلافها وكيفية معيشتهم ولقد عقدنا النيَّة على أنْ لا نُدخل على هذه العادات شيئاً من الأثر الغريب , حتى تظل مصطبغة بهذه الصبغة المحلية . وحرصنا كل الحرص على أن نصورها كما هي , بكل ما فيها من سذاجة وبساطة تتسم بهما حياة أهل هذه المنطقة المنعزلة , التي لم يؤمَّن لها اتصالٌ بغيرِها من الأمم لتتعرف بعاداتها وتأثرها . وإنما تظهر هذه العادات وهذه الأخلاق في صور كثيرة وأشكال مختلفة , كان سبيلنا إليها مراقبة طويلة واختبار شخصي تمكنا به من الوقوف على هذه العادات ومعرفتها معرفة دقيقة , حتى لم يفتنا منها شئ لأن أقل هذه الأمور أهمية كان يسترعي انتباهنا مثلما كان يسترعيه أكثرها أهمية .         

وقد حملتنا رغبتنا في تصوير هذه العادات في شكلها الصادق على أن نعود بذكرياتنا إلى خمسين سنة خلت , كانت لا تزال فيها هذه العادات حية لم يعلق بها أيٌّ أثرٍ غريب . واستعنَّا للتثبت مما فاتنا تذكاره , بمن عاشوا في تلك الأيام وكانوا يمارسونها ويحيونها , حتى كانت لنا من ذلك صورة فيها من الصدق والأمانة والحياة ما لا يجعل سبيلا للشك في صحتها وثبوتها , وعسى أن نٌوفَّق في هذا المسعى , والله عوننا , ونعم الوكيل  .

وقد تلطَّف كل من الوطنيين الكبيرين رشيد بك نخلة أمير الزجل اللبناني والأستاذ المؤرخ المدقق عيسى اسكندر المعلوف فصدَّرا كتابَنا بما أوحت إليهما نفسهما العالية , فنقدّم لهما عبارات شكرنا الخالص , أدامهما المولى ذخراً للأدب ومفخرة من مفاخر الوطن العزيز .

                                                     

الـمـؤلـف

   يـوسـف خـنـشـت

 

 

الباب الأول :    اَلْنَّبْك عَاْصِمَة جَبَل اَلْقَلَمُوْن

           

موقعها – عدد سكانها – مناخها – منظرها – المشاهد المحيطة بها

 

كانت النبك حتى منتصف القرن التاسع عشر قريةً كبيرة    أو بلدة صغيرة واقعة على بعد 79 كيلو متراً شمالي دمشق , في منتصف الطريق بينها وبين حمص وفي طرف صحراء سورية , على نَبْكٍ (( والنَبْك : جمع نَبَكة أي التل . والمعنى أن المدينة بُنيت على تلال صغيرة . لذلك سميت بالنبك ))  متلاصقة ترتفع 1400 متر عن سطح البحر .

وكان يسكنها إذ ذاك زهاء ثلاثة آلاف شخص من المسلمين الشافعيين , تكاد لا تجد بينهم أكثر من عشرين بالمئة يقرأُون قراءة بسيطة . وخمس مئة نسمة من السريان والروم الكاثوليك معظمهم يقرأون ويكتبون قراءةً وكتابةً بسيطتين .

تطل بيوتها شمالاً على سهل فسيح , وتحيط بمساكنها من الشمال والشرق جنائن وبساتين وكروم تُسقى من نهرها المشهور بعذوبة مائه وبرودته وصفائه , الذي لا يزيد وزنه عن 16 بميزان المياه . ويأتيها هذا الماء بقناة آرامية على قول البعض , ورومانية على زعم غيرهم . وفيها آبار عديدة إلى الجنوب الغربي منها . وهي مشهورة بجودة مناخها وطيب هوائها البارد الجاف جداً . لذلك قلّما تجد بين أهلها إنساناً ذا صوت رخيم . كما أنك لا تجد بين نسائها إمرأة ذات شعر ناعم طويل . بل إذا جاءت إمرأة غريبة فلا يمر عليها سنة أو سنتان حتى يتقصف شعرها ويصبح قصيراً خشناً .

           

صيفها لطيف لا يعرف الحر إلا قليلاً . وشتاؤها بارد قارس إلى درجة قصوى , تسقط فيه الحرارة أحياناً إلى الدرجة 20 سنتغراد تحت الصفر, ولا ترتفع في الصيف إلى أعلى من 29س فوق الصفر إلا نادراً جداً . لكن بردها مع شدته خالٍ من الرطوبة لا يُخشى منه ضررٌ . ولقد تغنى به أحد الشعراء فقال :

 

           إذا هاجت الرمضاء ذكراك بردت                حشايَ كأنِّي بين قارةَ والنبـكِ

                       

ويقولون أن الشيخ عبد الغني النابلسي لما مرََّ بها أثناء رحلته الشامية 1693م ( 1105 هـ) قال :

 

          خليلي خلِّنـا نبــكي بـنـبـكٍ        لأن قـعــودنـا فـيهـا قـلــيــلُ

          فواكهها إذا حملت وطابت        بأرض الشام ليس لها مثيلُ

          فمنطق أهلها لغوٌ صريـحٌ         كذاك بمائها يُشفى الـعـلـيـلُ

                       

وكذلك يقول الناس في هذه البلاد بلغتهم العاميَّة :

 

ما بين قارة والنبــكِ         بنــات الملوك تبكــي

 

وقد اشتهرت بجودة صحة أهلها وقوة بنيتهم وخدودهم الورديّة اللون ونشاط أبدانهم . وهي ذات (( بوَّابات )) أي أبواب كانوا يغلقونها في وجه العربان وغيرهم عند الإقتضاء وظل البعض منها إلى أوائل القرن الحاضر , وقد رأيته بأم العين  .

وموقع النبك على هذه الربى والتلال المنحدرة نحو الشمال فوق ذاك السهل الفسيح وتلك الجنان والبساتين التي ينساب بينها نهرها الصافي جعل سكانها يعمدون إلى بناء مساكنهم على وضع يستفيدون منه ووجهة تجعلها متممة لكثير من الشروط الصحية والإقتصادية , فجاءت هذه المساكن منبسطة في منحدرات تلك الروابي بعضها أعلى من بعض , مؤلفة من طبقتين , متجهة بنوافذها نحو الشمال , لا يمنع بعضها سكان البعض الآخر من التمتع بتلك المناظر الجميلة . فأول ما يرى الإنسان أمامه الجنائن والبساتين والكروم , ومن ورائها ذاك السهل الفسيح , وبعده تلال وربى ومنتهى سلسلة لبنان الشرقي بأحراجه وثلوجه في الشتاء , ويتلذذ النظر بمرأى ما يكون على الطريق العام المشهور الذي يضرب بوضوحه المثل القائل : (( واضح مثل طريق حلب )) أو (( أوضح من طريق حلب )) , فيرى كل يوم من مشاهد القوافل وعابري السبيل أشكالاً مختلفة ذاهبة آيبة  , وقُطرات من الجمال منسابة عليه تتلوى بسيرها كالأفاعي , وقوافل البغال ورعال الخيل (( والكدش )) وفي أعناقها الأجراس الكبيرة والمتوسطة والصغيرة . وهذه الجلاجل تبعث مع الهواء من رنَّاتها اللذيذة ما يطرب النفوس كأنه صادر عن موسيقى منتظمة . وترى الخيَّالة بسلاحهم من رمح وسيف وبندقية ذات قدّاحة وصوانة قاصدين الشام والقدس والحجاز , وتجار الأغنام والخيل بقطعانهم آتين من بلاد الأناضول وغيرها مثل ارزروم ووان وبتليس حتى بلاد الأكراد , وعابري السبيل على مختلف أجناسهم ومقاصدهم : فالراكب والراجل , ومُقْتَعِد المحفات , ومعتلٍ متن الهوادج , ومفترش المحامل (( تخت روان )), كل منهم سائر على بركات الله .

                       

وكان يقصدها في ذلك الحين بعض العيال من مسيحيي دمشق للاصطياف , فينزلون (( بدار الدير )) أي دير مار موسى الحبشي للسريان الكاثوليك , لوقوعه بأعلى نقطة في البلدة وكثرة غرفه , ولهذا القديس دير ثانٍ قديم مشيد على صخور شاهقة فوق هوة عظيمة في منتصف وادٍ عميق شبهَ قلعةٍ منيعةٍ يرجع بناؤها إلى ما قبل ألف سنة على بعد خمسة عشر كيلو متراً من النبك إلى الشرق . ولا يزال كهنة السريان إلى اليوم يقيمون في كنيسته قدّاساً في عيده الواقع في 28 آب , فيتوارد إليه بعض الأهالي ويقضون هناك ليلة العيد ويرجعون في مساء اليوم التالي بين الأهازيج أحياناً .

 

 

 

 

بناياتها

كان النبكيُّون قديماً يبنون مساكنهم بطبقتين , على وضع يستفيدون منه صحياً واقتصادياً .

فيبنون نصف الطبقة السفلى بحجارة صلبة ونصفها الأعلى باللِّبْنِ ويسقفونها بخشب (( اللزاب ))الذي يستحضرونه من صرود فليطة والمعرة لأنه رخيص ومتين جدَّاً . وكانوا يخصصون هذه الطبقة لدوابهم ودواجنهم ولحفظ التبن والوقود وآلاتهم الزراعية . ويبنون الطبقة العليا باللبن , ما عدا الأبواب والنوافذ فإنها من الحجر (( الكدان )) الأبيض المنحوت فيسمونه (( نحيت )) وهو من أراضي النبك ومقالعها .

ويسقفونها بخشب الحَور , وهو من منتجات أرضهم وقد امتاز بصلابته فلا يسطو عليه السوس كغيره من الحَور مهما طال عهده . فيسكنونها ويتمتعون منها بتلك المناظر الجميلة الموصوفة آنفاً . ثم يبنون إيواناً أما الغرف العلوية المتجهة نحو الجنوب ,فتتعرض لأشعة الشمس عندما تنحرف إلى جهة خط الجدي , وتظل الشمس حينئذٍ في الإيوان الجنوبي وداخل الغرف من الصباحِ إلى المساءِ . وهذا يخفف من شدَّة القر شتاءً , فلا يحرقون وقوداً إلا في الأيام الباردة جداً. وظل أهل النبك يجهلون الزجاج إلى أن اتخذت بلدتهم مقراً للحكومة فأخذوا يستعملونه لنوافذ بيوتهم .

 

ولعل القارئ يعجب لسماعه أنهم يبنون باللِّبْن طبقتين من مساكنهم . فكيف لو علم أنهم يبنون به اليوم ثلاثاً وأربعاً ؟ فاللِّبْن في هذه البلاد متينٌ جداً , لأن تربتها كلسيََّة جبسيََّة يضيفون إليها ِتبْنَاً بنسبة معلومة ويعتنون بصنعه جداً , فيصبح صلباً متيناً ويغلّفونه بعد البناء بطينة لزجة من التراب نفسه فتزيدهٌ مناعةً لسنين طويلة . ويقول الأقدمون أنه كان في النبك في أوائل هذا القرن بناءٌ عاديٌ هُدم يرجع تاريخ بنائه إلى صَدرِ الإسلام . وليس ذلك ببعيد عن التصديق ,لأني رأيت بعيني داراً قديمةً جداً ورثها جدنا عن جده , هدمها أبناء عمي منذ خمس وعشرين سنة وأعادوا ما أخرجوا منها من اللبن السليم إلى بناياتهم الجديدة . وقد عثروا أثناء الهدم على وثيقة بحائطها تنطق بمبيع دارٍ من نحو مئتي سنة . وسمعت أيضاً ممن يوثق بقولهم أنها قد هُدمت منذ ثلاثين سنة غرفة علوية وجدوا على (( جسر )) من (( جسورها )) تاريخاً يرجع إلى ما قبل سبعَ مئة سنة .

           

عمرانها

لبثت النبك في القرن الماضي محط رحال القوافل التي كانت تسير بين حلب ودمشق . وكانت محطةً تنزلُ فيها قوافلُ الأعجامِ يوم كانوا يحِجُّون إلى البيتِ الحرام بهذا الطّريق , وكان ذلك مَوسِماً سَنويّاً قبل فتحِ قناة السويس , وقد أَخذ يتضاءل إلى أن مُدَّت السِّكة الحديديةُ بين حلب ورياق فانْقَطع تماماً .

وكان الأعجام ينزلونَ في الشِّتاء عند الأهالي أصْحاب البيوت القريبة من الطريق العام , وفي الصيف ينصبونَ خيامهم بقربِ نَهرِها الجاري على بعد نحو 500 متر عن البلد , بجوارِ مقامٍ لأحد الأولياءِ يُدعى (( الشيخ محمد الغفاري )) . وبلغةِ أهل النّبك (( الغَفَرِي )) وهو لا يزالُ قائِماً حتى الآن . فيبادر أهلها ويتوارد سكان القرى المجاورة أيضاً لابتياع السلع العجمية , كالسجّاد والشَّال والجَوارب والبُسط واللباد والخيل والبغال والأقمشة الحريرية والصوفية وغيرها . وترى حتى الآن في بعض بيوت النبك من الأشياء المذكورة ما يدهش النَّاظر بحسن صُنْعه وإتقانه : كالسجاد والبسط واللباد والشال . وكان هذا المقام منفرداً في الجهة الغربية من البلدة إلى جانب الطريق العام , يجري من الشَّرق نهرها بمائه العذب الصافي حتى أنك ترى قَعْرهُ وتعد حَصاه . وتظلله شجرة جَوزٍ نبتت على حافة النَّهرِ الغربيَّة منذ مئتي سنة كما يعتقد شُيوخُ البَلدِ , ونَمَت حتى أصبحت ذات جذعٍ كبيرٍ تمتدُّ فروعُه بعيداً فتظلّل مساحةً كبيرة من الأرض حولها , وقد غدت تلك الشجرة محط رحال القوافل وعابري السبيل في الصيف . وكان المسافرون يعلّلون النفوسَ قبل الوصولِ إليها بالراحة تحت ظلِّها الوارف وبجوار ذاك الولي . فاشتهرت في جميع الجهات القريبة والبعيدة وعُرفت (( بجوزة الغَفَري )) . فكُنتَ ترى القوافل كل يوم , بجِمالِها وبِغالِهَا وخَيْلِهَا , يَتـَفيَّأون بظلِّها ويتلذذون بما يأخذونه من الراحة تحتها , والأهالي يبيعونهم كلَّ ما يحتاجون إليه من طعامٍ لهم وعلفٍ لدَوابِّهم .

وكان يفصل هذا المقام عن البلد رَابية تليها أرضٌ واسِعة تبلغُ من الشرقِ إلى الغربِ نحو 500 متر ولم تكن مَعمورَةً في ذاك الحين . وكان لا يُرى فيها سوى بناء ضخم من الحجر (( المقصوب )) يشبه ثكنة عسكرية ويحتوي على جامع حوله غرف للدراويش الغرباء في جهته الجنوبية , وعلى فرنٍ وصحنِ دارٍ فسيحةٍ جداً كان في وسطها حوضٌ يأتي إليه الماءُ من بئرٍ بجانب بابه , من الجهة الجنوبية أيضاً , بوساطة (( فراشٍ )) هوائي , وعلى قبوٍ عظيمٍ سقفه معقود بالحجر قائم على دعائم ضخمة كثيرة يستوعب جيشاً بِخَيْلِه ولو كان أُلُوفَاً . ويقول البعض أنه من آثار سنان باشا لَمَّا كان والياً على سوريا سنة 1587 م ( 996هـ ) . وهو المنسوب إليه أنه أنشأَ أربعينَ مسجداً يُخطب على منابرها في أقطارِ المملكة العثمانية ما عدا الجسور والخانات .

 

وبَنَى أيضاً بدمشق جامع السنانية وجامعاً في سَعْسَع وجامعاً في القُطَيْفَة . والبعض يقول أنه من آثار محمد كوبريلي باشا لما كان والياً على دمشق عام 1648 م ( 1058 هـ ) .

ولعلَّ الأصح أنه من آثار سْنَان باشا لأنه أقام في سوريا أربع سنوات ونيِّفاً وخلفه فيها إبنه محمد باشا , بينما الكوبريلي باشا لم يُقم في سوريا أكثر من سنة واحدة .

وقد كان هذا البناء قديماً (( خاناً )) لعابِري السَّبيل تستثمره الحكومة العثمانية لخزينتها . ومنذُ خمسين سنة , بعدما اتُّخِذَت النَّبْكُ مقرَّاً للحكومة بأمر أبي الأحرار مدحت باشا , أقامت الحكومة على رأس تلك الرابية سرايا عظيمة من حجر , ولم يكن لها مثيل في سوريا حتى أواخر القرن الغابر (1- حيث أُخذت حجارة تلك السرايا من البرج القديم القائم على رابية من رُبى البلدة تُدعى (( رابية البرج )) إلى الآن , وكان هذا البرج قديماً مستوقداً للنيران التي كانوا ينقلون بواسطتها الأنباء الضرورية ليلاً بين الشام وحمص , ومن الخان العتيق الملاصق للبرج من الجهة الشرقية , ومن مقالع البلد , ومن برج قارة القائم في منتصف الطريق تقريباً بين قارة والنبك )

 

وباعت ما بقي من ((الخان)) مع الأراضي التي حولها فبَنى الأهالي هناك مساكن وفنادق وحوانيت . واتصلت البلدة بهذه البنايات وامْتد البناءُ كثيراً مّن حولِها حتى أصبحت الآن في وسط البلدة تقريباً . وامتدَّ البناءُ أيضاً إلى الشمالِ , إلى مفرق طريقي ديرعطية وقارة , حيث أقامت الحكومة في أيَّامنا مستودعاً للموادّ الملتهبة . واتسعت البلدة أيضاً إلى الغرب , إلى (( سكة الوُلاق )) المتصوّبة من قارة إلى يبرود , التي كان البريد يمرّ منها قبلاً , وهي تبعد عن ((الغفري)) من 500 إلى 600 متر إلى الغرب . وفي أواخر القرن الماضي اتُّخذ الخان المذكور ثكنة عسكرية في عهد الأتراك بعد أن أصلحت الحكومة ما كان متداعياً منه وأنشأت فيه غرفاً عديدة . وظلَّ بيد دائرة التجنيد التي كانوا يسمونها (( دائرة الرَّدِيْف )) حتى عام 1918 م إذ جلا الأتراك عن البلاد وحل الفرنسيون محلهم , فاتخذها الجيش الفرنسي ثكنة عسكرية للمتطوعين الجراكسة . ويقول الشيوخ أنهم كانوا في بعض السنين الغزيرة الأمطار يجدون كثيراً من الكَمَاءِ على سطح قبوه الكبير .

 

 

 

 

الباب الثاني : اَلحَيَاةُ فِيْ القَلَمُوْن بِوَجْهٍ عَام

 

أشغال أهل القلمون

 

يَتَعَاطى معظم سُكان القَلَمون الفلاحة والزراعة , وفريقٌ منهم يتعاطى ((المكاراة)) على الجِمَال والبِغَال وأحياناً على الحَمِير , وقسمٌ أخر تربية الماشية , من غنمٍ وماعز , في جبالِهِ الكثيرة لأنها ممتازة بجودَةِ مَرعاهَا ودفْئِها في الشِّتاء , مِمَّا يجعلها صالحةً لتربيةِ المواشي , على أنَّ ماءَها قليل . وقسمٌ رابع يزاولُ عمَل اليدِ بالطِّين والبِنَاء . فيهبطون إلى الشَّام سَعياً وراء رِزْقِهِم .

وكانَ في سالفِ الزمن ألف وخمس مئة جَمَل عِندَ أهالي النَّبْك وحدَهم , فكانوا يَستَخدِمُونَها للتِجارةِ بمُختَلفَ الأصْنافِ , (( ويكارون )) عليها بين دمشق وحلب حتى أورفه وديار بكر . وكانوا يكفون الشام مؤنتَها من السَّمْنِ وحاجتها من القُطْنِ , يأتونَ بهِ من الجهاتِ الشمالية مثل حلب والجزيرة , ويسافرون إلى ما هو أبعد منها حتى أرزروم ووان وبتليس شمالاً , وإلى عريش مصر جنوباً , وإلى دير الزور والموصل شرقاً . وكانت قوافلهم مشهورة بقوتها ومناعتها تجاه هجمات البَدو والأشْقِياء وقُطاع الطرق . وقلَّما أُخِذوا أو كسروا , لأنهم أشِدَّاء وذوُو شَجَاعة رُجُولِية وعِزَّة نفس , يَأبُون الذُلَّ والإهانَة . وكان المُسافرون يترقَبون سَفرَ تلك القَوافِل ليَسيرُوا بِرفقَتِها مُطمئنين على نُفوسِهم ومالِهم من هَجماتِ قُطاعِ الطُرُق . وكان أولئك التُجَّار ,عند رُجوعِهم من أسفَارهِم البعيدة , وبلوغهم السَّيلَ العميق الذي يبعُد عن النَّبكِ نحوَ ثلاثةِ أو أربعةِ كيلو متراتٍ إلى الشمالِ , يأخذونَ في إطلاقِ البارودِ دلالةً على مجيئِهِم . فيخرج أهلهم وذويِهم لملاقاتهم خارجَ البلد , فرحين بوصُولِهم سالمِين لكثرةِ ما كان ينتابُهم في سفرهِم من تعدياتِ البدو والأشقياء واللصوص .

           

ولا تكادُ تجدُ بينَهم إلا عدداً قليلاً يحترفونَ بعض الصناعاتِ , مثل النِّجارة والحِدادة والصِّباغة ودِباغَة الجُلود والندافة وعمل الحَلاوَة والحِلاقَة و (( القصَابَة – أي ذبح الحيوانات وبيع لحمها)) . ومعظم الصُّنَّاعِ كانوا اسكافيين وبَياطرة ونجارين وحَاكة . ولم تكن المُهَاجَرة إلى أميركا حتى أواخرِ القرنِ التاسِع عشر معروفةً عِندَهٌم , ففي العام 1892 سافر إليها اثنان من مسيحيي النبك , ومن ثم أخذ الناسُ يهاجِرون إليها بِكَثرَة .

 

مأكلهم

 

يَعيشُ سُكّان القَلَمونِ عيشةً بسيطةً . أكلهم من منتجاتِ أرضِهم وما تَدرُّ به عليهم مواشيهم . فيأكلونَ من الحُبوبِ الحِنطَة , خُبْزاً وبرغلاً , والذُّرةُ الصفراءُ طعاماً . ويطعمون دوابهم الشَّعير والكرْسَنَّة . ولا يجْسرونَ على زرْعِ غير هذه الحُبوب , لعدم سلامتها من آفة البرد والصَّقيع في الشتاء . ويغرسون من الأشجار الجوز و (( النجاص )) , أي الإجَّاص الشتوي والملكي والعثماني والخلاني والجبلي والسكري , والعنب الأحمر وقليلا من المشمش .

وقد أخذ الأهالي في أواخر القرن الماضي يغرسون منه بكثرة . فكانت فائدتهم منه قليلة لأنه لا يسلم من الصقيع في أكثر السنين . أما الإجَّاص على أنواعه , فقد أخذ يتناقص حتى كاد ينقرض . فلم يبق منه إلا القليل بعد ما كانت أشجاره تعد بالألوف . وكان سبب انقراضه الحالوش والقارور . أما كروم العنب فقد كثرت عما كانت قبلا . فأصبح الآن في النبك وحدها نحو  مليون وربع مليون دالية أو كرمة .

           

تجد أيضا من الأشجار الحور والصفصاف والدردار والنشب وقليلا من التوت , ومن الخُضَرِ والبقول اللفت والجزر والفجل والقرع والكُوسى واليَقْطين والبصل والثوم والبيقية والحلبة والفوََّة . وهذه الأخيرة نبات كان يستعمل للصباغة والأدوية . وكانت النبك فيما مضى تستغل أرباحا لا يستهان بها كل سنة حتى انتشرت الأصباغ الأوربية فأبطلوا زرعها في أواخر القرن الماضي . وعُرِفَت عندهم البطاطا حينئذٍ فأخذوا يزرعونها بكثرة وكان لهم منها مورد ذو شأن . وأما باقي الحبوب والخضر والفواكه , كالحمص والعدس واللوبياء والفول والبطيخ والخيار والقثَّاء والزيتون والتفاح والخوخ والرمان والتين والبرتقال والليمون والطماطم ( البندورة ) والباذنجان وما يشبهها , فكان الأغنياء ولا يزالون يبتاعونها ممن يأتيهم بها من الخارج . فلا يكاد يصل البائع إلى البلدة بنوع من هذه الأصناف حتى يأتي إليه الناس أفواجا . فيبدلونها بما عندهم من الغلال , أو يشترونها بالنقود الرائجة . وأما الفقراء فكانوا لا يعبأون بها كثيرا , ومنهم من لا يذوق منها شيئا مدة سنين طويلة .

 

ويأكلون من اللحوم لحم الماعز والضأن والبقر والجمال عندما يذبح القصاب بأمر من ((شيخ)) ( أي مختار ) البلد . ذلك حينما كان يأتيه ضيف عزيز , أو عندما يولم وليمة , أو في الأعراس والأفراح والأعياد والمآتم والمناحات . وكان المثرون منهم يعلفون الغنم حتى تسمن جيدا ويذبحونها ويحمصون لحمها بأليتها بعد (( فرمها)) وتمليحها , ويصنعون منها كتلا بحجم البرتقالة ويحفظونها لأيام الشتاء , إذ يكون الذبح قليلا جدا فيستعملونها عند الحاجة . وهذه يسمُّونها ( قـَوْرَمَه ) وهي تركية الأصل (( قاوُرْمه )) ومعناها اللحم المحمََّص أو المقلي .

أما الأطعمة المعروفة عندهم فهي لا تختلف عن أطعمة باقي الأقطار السورية إلا بعض الإختلاف . فالمآكل التي يدخلها اللحم لا تصنع إلا في أوقات مخصوصة , كالأعياد والولائم والأفراح , وللضيوف الأعزاء أو (( للفعالة )) أي العَمَلـَة أيام أعمالهم الزراعية , مستأجَرين كانوا أم مساعدين .

 

وأما المآكل البسيطة الخالية من اللحم فهي طعامهم الدائم , (( كالمجدرة )) المشهورة التي طيّر ذكرها الشاعر الهزلي الشهير أسعد رستم في قصيدته المعنونة (( بالمجدرة )) حيث صور نفسه مريضا وقد يئست من شفائه الأطباء فقال فيها :

           

قـلت الذي يشــفي مـخـاطـر علتـي            شئٌ وحيدٌ وهو صحن مجدَّرة

تـونـي بـهـا وحـيـاتـكـم فـتعـودنـي           روحي وأصبح بالحقيقة عنترة

تـونـي بـهـا صـحـنـاً كبـيـراً عامراً           والأمر أفضل إن أتَت بالطنجرة

تـوني بـهـا بالـزيـت أم بـالـلحـم لا            فرقٌ بشـرطٍ أن تكون مدردرة

ودعوا الدواء مع الطبيب بعرضكم           إن الأطـبـا  والـدواء لـزعـبرة

 

  والبرغل المفلفل , والبرغل مع الحمّص الذي يسمونه (( مُقلّى بسفله )) , والسميذ المرق وهو (( كالمجدرة )) تماما غير أنه ذو حساء مريق , والكبة حيلة , والصلص , والملقّسة ,

والعصيدة , والصرصورة التي هي حساء ناعم من البرغل , واللبنية بالذرة الصفراء , والقمحية بالقمح المقشور وما شابه .

أما الأكلة المرغوب فيها عندهم كثيرا , بالرغم ممّا يعانون في صنعها من تعب وضياع الوقت , فهي الكبة , وخصوصا المطبوخة بالكشك فإنهم يفضلونها على جميع المآكل , ولا سيما في النبك , ويحبونها محبة جعلت أهل الجوار يتهكمون ويسخرون منهم قائلين :

                       

                                أكـــلْ النبـكـي              كـبـة بكشـكِ

 

ولذلك تراهم يفرحون عندما يتسنى لهم شراء اللحم الهبر . فتشرع ربة البيت في غسيل الجرن وتنظيفه وتنظيف الغرفة التي فيها الجرن لاستقبال ملائكة الكبة . لأن أكثر النساء يعتقدن أن الملائكة تأتي على صوت دق الكبة وترقص حول الجرن وتبارك الكبة ومن يدقها جيداً . ثم تأتي الجارات لمساعدتها . فبعد دقّ اللحم وجبله بالبرغل الناعم يصنعن منها أقراصاً صغيرة وكبيرة فيسلقن الصغيرة في حساء من الكشك في الشتاء , وفي الصيف باللبنية , ويشوين الكبيرة منها شيّاً أو يقلينها بالسمن والزيت , وهذه تسمى (( المشاوي )) . وهذه المشاوي تقدم للعزيز المكرّم , كالصهر الجديد أو الطالب المصاهرة , أو لصديق مخلص لأهل البيت أو لأحد أفراده , وقليلون الذين كانوا يصنعون الكبة بالصينية . ولذلك قالوا :

 

تضرب كبة الحيلة ومعها مجدرة           والـعـصـيـدة فـوق منهـا مـشترك

هـات الـلـبـن مـع كـبـة الصـيـنـية          وجنب منها باطية من الشيشبرك

 

وكذلك يقولون :    

 

                 الصرصور   للصعرورة            والكشك لباب الدار

                 والعـصـيدة   للمـصـيـدة            والكبّة طول النهار

 

ويعنون بالأخيرة أن طعاماً غير الكبّة لا يغذيهم غذاء جيدا مقابل ما يفقدون من القوى أثناء شغلهم الزراعي المتعب . ويأكلون أيضا الكبة نيئة مع البصل ويقال لها (( دبابة )) بلغة أهل الشام ولبنان . وقال بعضهم أن الكبة أكلة قديمة يرجع تاريخها إلى عهد سليمان الحكيم وربما إلى ما قبله بدليل قوله في سفر الأمثال 27 : 22 :  (( لو دققت السفيه في هاون بين السميذ بمدقة لم يفارقه سفهه )) . وقيل أنّ السميذ هو البرغل بعينه .

وإن لم يكن لحم فإنهم يحتالون على الكبة , فيجعلون البرغل المنقوع في الماء مع قليل من الطحين لتتلاحم أجزاؤه , ويصنعون منه أقراصاً صغيرة ويحشونها إمّا بقطعة من الدهن ومعها قليل من الفلفل والبهار , أو بنوع من البقول ينبت في أراضيهم بين الزرع يسمونه ((أم أحمد)) وهو يشبه الاسباناخ , يضيفون إليه قلب الجوز والبصل وحَبّ الرمان الحامض . ثم يسلقون تلك الأقراص بحساء الكشك ويسمونها (( كبة حيلة )) أو (( كبة الراهبة )) . ويصنعون منها أقراصا كبيرة يشوونها ويغمسونها بالسمن , ويسمون القرص منها (( شيخ )) والجمع (( شيوخ )) . ويصنعون منها أيضا أكلة (( الصلص )) و (( الملقّسة )) : وهي كتل بحجم حبة البندق يطبخون بعضها مع العدس والحمص والبصل ويضيفون إليها حامض السمَّاق , أو يقلونها بالزيت والثوم والكزبرة , ويسمونها (( الصلص )) . و(( الملقّسة )) يطبخونها بحساء مطبوخ من اللوبياء والعدس والبصل بدون حامض .

ويصنعون حينما يكون ورق العنب طريئاً أكلة يسمونها (( اليبرق )) , وهي لفظة تركية لورق الشجر , فيلفون به برغلا متبّلا باللحم ((المفروم)) لفائف بثخن الإصبع وفي أوان الملفوف واللفت يلفون بورقهما لفائف كاليبرق ويطبخونها بحامض السمَّاق . إنما يضعون مع اليبرق الملفوف كثيرا من الثوم اتقاءً لضرره . إذ يعتقدون أنَّ العرب أرسلوا في سالف الزمان إلى الفرنج أغراس الورد هدية . فلما رآه الفرنج ذا شوك ظنوا يهم سوءا وأرادوا الإنتقام فأرسلوا إلى العرب مقابل هديتهم بذار الملفوف الذي ينفخ البطن . فلما طلع الورد وتفتحت أكمامه ورأى الفرنج شكله الرائع ورائحته المنعشة , عادوا وبعثوا إلى العرب بالثوم لكي يمنعوا ضرر الملفوف عنهم .

 

 ويأكلون من الحلواء الدبس العدسي الذي يصنعونه بيدهم ومن زبيب كرومهم .

وأحيانا يطبخون من البرغل المخلوط ببزر القنب المحمص أو قلب الجوز واليانسون يصنعون منه الحلاوى الحمراء , وهي عبارة عن طحين الحنطة يحمصونه بالسمن ويضيفون إليه الدبس ويكمّلون تحميصه معا حتى ينضج ويأكلونه باردا .

ويأكلون (( المغطوط )) , وهذه طريقة صنعه . بعدما يحلبون الحليب مساءً يضعونه في أوانٍ واسعة عديدة ذات سطح مستوٍ , ويتركونه إلى الصباح . فيصبح الحليب وعليه طبقة رقيقة من الزبدة . فتأتي المرأة ومعها الخبز التنُّوري وتطرح الأرغفة فوق الحليب . فيأخذ الرغيف من الزبدة ما يُغطى به وجهه . ثم تعود وترفع الأرغفة وتطبق كل رغيفين معا . وبعد مرور ساعة أو نصفها يأكلون منه مع الدبس . وهذه أكلة لذيذة جدا لا يعملها إلا من كان عنده عدد كبير من الماعز والغنم .

           

ويضعون العنب , بعد تنقيته من كل حبة فاسدة أو مجروحة , في غرفة مظلمة لا يدخلها الهواء كثيرا مفروشة بالتراب الأبيض . فيرصفون العنب فوقه , كل عنقود بحذاء أخيه , ويغطونه بورق الكرمة , وفوقه ملاحف من الخام . فيبقى هذا العنب محفوظا طول الشتاء حتى شهر نيسان . فيأكلون منه في سهراتهم , ويقدمونه لزائريهم وضيوفهم , ويتناولون منه كلما خطر لهم . وأكثر ما يعوّلون في أمر طعامهم الخاص على البرغل والخبز . لذلك كان الفلاح القوي منهم يسلق من البرغل كل سنة ما بين 40 و 80 مدّاً من الحنطة ( أي من قنطارين ونصف إلى خمسة ) ويذ َّخر مثلها للخبز . لأن الخبز والبرغل والدبس والكشك كان منها أكثر طعامهم . وينفق الفلاح منهم كثيرا في أيام شغله الزراعي , كقلب الأرض واقتلاع الأشواك منها وعزق كرومه .فعليه أن يهتم لأمر إطعام (( الفاعل )) أي العامل الذي يساعده , وأن يطعمه من أجود ما عنده لئلاّ تلحقه مذمة العَمَلَة له أمام الآخرين فيوصم بالبخل .

 

شُغْل النِّسَاء

 

كل ما ذُكر آنفاً مطلوب عمله من ربَّة البيت . فهي التي تجلب اللّحم من حانوت اللّحام , وتدق منه الكبّة أو تلف به اليبرق بمساعدة جاراتها , وتعمل جميع أنواع المآكل . وهي التي تُشرف على طحن القمح في الطاحون , وتعجن العجين وتخبزه على التنور , وتجلب الماء اللازم لبيتها بالجرة على رأسها من مورده , وتغسل الثياب أي الألبسة وغيرها , وتنظف البيت , وتعتني بالأولاد وتربيهم , وترقع ألبستهم وألبسة زوجها , وتساعده أيضاً في الإهتمام بالدواب و إطعامهم , وأحياناً في أشغاله الزراعية . وهي تطيّن الدار وتبيّضها بالحوّارى , وتسلق البرغل وتجرشه إلخ .

 

ففي الصيف يجب عليها أن تستيقظ من النوم قبل شروق الشمس , وتذهب إلى مورد الماء حاملة ً على رأسها الجرة مبطوحة وفمها إلى الوراء , لكي لا يراه من يقابلها من الناس لأنهم يتشاءَمون منه . ويجب أن تحيي كل من تصادف من النساء الصادرات وعلى رؤوسهن جرار الماء , وأن ترد التحية وهي صادرة . فتنقل ما يلزمها من الماء وتعود لإعداد طعام الصَّباح لعيلتها , حاملة في جعبتها ما عرفته من أترابها , ممَّا جرى في البلد في أمس البارح وما قبله من خطبة أو زواج أو طلاق أو فراق أو ولادة أو وفاة أو سرقة أو مشاجرة أو تخاصم إلخ , فتقصه على ذويها .

 

ويوم يُطلَب منها العجين أو الغسيل , تستيقظ قبل بزوغ الفجر , وتجلب الماء اللازم لذلك . وتذهب إلى الكرم وتأتي بقفة من العنب البارد تحملها على رأسها وتعود قبل شروق الشمس إذا كان الكرم قريباً . وعليها أن تدعو كل من تصادفه من الرجال أثناء عودتها إلى تناول عنقود من العنب قائلةً : (( تْفَضَّل لَتْحِل البَرَكة )) . فيأخذ منها من يشاء , وبعد وصولها إلى بيتها تشعل النار إذا كان لديها قدََّاحة وصوََّانة , أو تذهب إلى أحد بيوت جيرانها ((فتشحذ)) أي تقتبس ناراً وتأتي بها على غصنٍ من الشِّيْح أو في وعاء , فتشعل النار تحت الماء . فإن كان للعجين تأخذ ((حمية)) أي شيئاً من الوقود (( لتربط )) أي لتعيِّن لها دوراً على التنور الأقرب إليها في الحي , إن لم يكن في بيتها تنور . وإذا كان للغسيل , تضع في الماء كيساً صغيراً مملوءاً قلياً وتغتنم فرصة تسخينه لتجمع الألبسة الوسخة بعد ما يخلع زوجها وأولادها ثيابهم . ولا تلبسهم غيرها إلا إذا كانت من نساء الوجهاء المثرين في البلد أو من المشايخ , ثم تَشْرَع في غسْل الثياب .      

                                    الغَسِيْل عَلَى النَّهر

وإذا كانت من عامَّة الناس فإنها تأخذ الألبسة إلى النهر ومعها مخباط من خشب وكمية من مسحوق (( الشْنَان )) الأشنان اليابس ( وهو نبات برّي إذا أُحرق وهو أخضر يخرج من رماده القلي المعروف . وهو كثير في بلادنا وكانت تصدَّر منه كميات كبيرة إلى المصابن في جميع الجهات ) .

 فتأخذ تبل الثوب في الماء وترش عليه من مسحوق الأشنان و (( تدعكه )) بيديها وتضمّ أجزاءه بعضها إلى بعض فوق حجر على حافة النهر وهي غائصة في الماء . ثم تجعل تخبطه بالمخباط وتقلبه رأساً على عقب حتى ينظف على زعمها . وهكذا تعمل بكل ما لديها من الألبسة وغيرها . و (( تفضّها )) أي تغسلها بالماء القراح بعدما (( تدعكها )) بيديها وهي في الماء . ثم تعود إلى بيتها حاملة (( غسيلها )) على رأسها فتنشره في أشعة الشمس . وتزاول باقي أشغالها البيتيَّة : فإمَا تأخذ طعاماً لزوجها ومن معه من العملة في الكروم , أو تعدّه لمجيئه , أو تُقبِل على عمل خاص بها , كالغزل أو تمشيط الصوف إلخ .

 

 

 

عَمَل الكِشِك

إذا كانت المرأة من عامة الشعب تعمل الكِشْكَ في الربيع إذ يكون ((الحليب)) أي اللبن كثيراً ورخيصاً . وإذا كانت من نساء الوجهاء المثرين فتعمله في الخريف لكثرة الدسم في الحليب أوانـئذٍ . فتأخذ من البرغل مُدَّاً أو مُدَّين ( ستة أرطال أو ضعفها ) , بحسب كثرة أعضاء الأسرة وحاجاتها , وتنقعه بالماء في مَعَاجِن من المساء إلى الصباح فيصبح ليَناً طريئاً . ثم تأتي بالحليب واللَّبن (الرائب) , بعدما تحلل فيه خميرة من دقيق الحنطة والشعير , وكمية معلومة من الملح , و تصبه فوق البرغل اللَّين وتجبله به , وتتركه مدة يومين . فيتشرب البرغل اللبن ويختمر فيصبح حامضاً . وتعجنه بيديها جيداً . وينقلونه من وعائه إلى مِلْحَفَة كبيرة  يبسطونها فوق فرشة من التراب الأبيض . ويتركونه زهاء يومين , حتى يمتص التراب منه الحموضة ثم ينقلونه إلى ((خابية)) كبيرة ويتركونه من 10 إلى 15 يوماً , وينقلونه بعدها إلى السطوح . فتأتي النساء صباحاً مدعوَّات من قبل صاحبة البيت , ويشرعن في (( قـَرْقـَطـَتـِه )) أي تقطيعه كُتلاً صغيرة , فتأخذ الواحدة منهن قليلاً من الكشك في قبضتها , وتطبق يدها عليه , فيخرج الكِشْكُ من بين الإبهام والسبَّابة كتلةً صغيرة . فيرصفن تلك الكتل على بساط ويتركنها معروضة للشمس إلى العصر , فيجف الكشك قليلاً , فينزلنه إلى البيت . وتُدعى الصبايا والشباب لفركه بالأيدي ليلاً . فيجعل هؤلاء يفركونه بأيديهم وهم يُـنشدون أحياناً بعض الأغاني , كالمواليَّا وما يشبهها . وتنتهي السهرة بتقديم (( السهرية )) لهم , مما يتيسر وجوده من الفواكه أو غيرها .

 

 

فرك الكشك

والويل لمن تتقاعس عن عمل كهذا . فإن جميع أترابها يصمنها بمختلف المذمَّات , ويرشقنها بلواذع العبارات . ويقلن عنها أنها ليست (( إمرأة بيت )) بل هي (( هَـطـَّة )) أو (( رشله )) أو (( وِخْمَة ))  . ولا يكون لها بينهن مكانة أو قيمة . ولا تحوز رِضَى زوجها .         

 

أَعْمَال الرِّجَال اليَوْمِيَّة

كذلك الويل وألف ويل للرجل الذي يتهاون في عمل من أعماله , شاقَّاً كان أم هيِّناً , أو للذي يميل إلى رخاء العيش ورفاهة الحياة . فإن مقامه يسقط بين الرجال ويصغر في نظر النساء أيضاً . فإنهم يرشقونه بألسنة حادة موجهين إليه الكلام القارص واللوم القاسي والتقريع اللاذع . وعليه أن يعيش بكل ما يُستطاع من الخشونة وشظف العيش , متَّبعاً في ذلك الحديث النبوي القائل (( تخَـوْشَـنـُوا فإن النعم لا تدوم )) . حتى أنهم يُرضِعون أولادهم الخشونة مع اللبن , ويربونهم على هذا النمط منذ الصغر . فيترك الرجل فراشه قبل شروق الشمس , ويتفقد دَوَابه , ويقدم لهم العلف اللازم , ويلقي نظرة على (( مُرّهِ )) ومعوَلِه وفأسه , ليرى في أي حالة هي . وبعد ما يتناول الفطور مع عيلته يَسْـتَصْحِب أولاده القادرين على العمل , ويحمِّـل الدواب الآلات الزراعية اللازمة له , ويذهب إلى بستانه أو كرمه أو حقله ليقوم بما هو مفروض عليه من العمل بهمة ونشاط لا بعرفان الكلل . فمن الفلاحة إلى (( التجريف )) أي مساواة الأرض , إلى (( القياض بالمرّ )) إلى الحصاد , إلى إصلاح الكرمة , إلى السطاح , إلى غير ذلك من الأعمال الزراعية المقدسة عندهم , بدون أن يأبهوا لتعليم أولادهم , ما عدا النزر القليل منهم .

 

     

الباب الثالث :  تَعْــلِيْمُ الأَوْلاْد

 

كان المسلمون , عندما يبلغ الصبي السنة السابعة أو الثامنة من عمره , يبعثون به في فصل الشتاء , أي حينما لا يتعاطون الأشغال الزراعية ويكونون عاطلين عن العمل , إلى شيخ الكِتََّاب ليتعلم القراءة . فيبدأ بحروف الهِجَاء على هذا النمط :

(( ألِف لا شين عليها )) أي أَلف لا شئ عليها  - (( با واحدة من تحتها )) أي نقطة واحدة تحتها – (( تا تنتين من فوقها ))  - (( ثا ثلاثة من فوقها )) – (( جيم واحدة في نصها )) – (( حا لا شين عليها )) الخ .....

 

وكان بعض المشايخ أو المعلمين يعلمون الأولاد هكذا : (( ألف ما زالت قشلانه )) بدلاً من (( لا شين عليها )) . فيتعلَّم الولد حتى آخر الشتاء , أي إلى أن يبدأ شغل والده , فيأخذه هذا معه ليتعلم منه الشغل الذي (( يطعميه الخبز )) ويتعوَّده لأن القراءة والكتابة على زعمه لا تطعمه خبزاً . ويظل مع والده إلى أخر الصيف , أي إلى أن ينتهي شغله , فيسمح له إذ ذاك والده بالرجوع إلى ((الكتـَّاب)) فيأخذ الشيخ يعلّمه القراءة كما في الماضي , ثم في أجزاء القرآن .

الخِتْمِيَّة

وبعد ثلاثٍ أو أربع سنين يعلن الشيخ لأهل الولد ختام تعليمه القراءة . فيلبس الولد لباساً جديداً أعدّه له أهله , فيزينونه به , ويحمل القرآن على رأسه فوق كرسي صغير مخصوص يوضع عليه القرآن حين القراءَة , منقوش ومزين بالورود والزهور , ويطوف به الشيخ والأولاد رفاقه شوارع البلد معلنين بذلك ختام قراءَته وأنه (( خَتَم )) القراءة وهم ينشدون :

 

الحمد لله ربي فارج الكُرَبِ               ثم الصلاة على المختار من عربِ

 

والشيخ يعدّد الأدوار على هذه القافية , والأولاد يردّدون اللازمة أي البيت الأول . وهكذا حتى الظهيرة . فيرجعون جميعهم إلى بيت الوالد حيث أُعِدَّ لهم الغداء . ويصبح الولد حينئِذٍ خاتماً القرآن , وما عليه إلا أن يساعد والده ويتمرن على الشغل والعمل تحت نظر والده . ويتقبل من الناس (( التحويطات )) والبسملات حوله وحواليه . فقد أصبح شاباً وعلى والده أن يخطب له .

وهكذا كان المسيحيون , عندما يبلغ ولدهم السابعة من عمره , يبعثون به إلى الكاهن فيعلمه حروف الهجاء على النسق الذي ذُكر قبلاً وإلى آخر الشتاء أيضاً . ومن بعد ذلك القراءة بالمزامير والأكتوئيخس وغيره من الكتب الدينية , وأخيراً في الإنجيل الشريف . ثم قليلاً من الكتابة والحساب . ويستغرق هذا التعليم ((شتويات)) عديدة , أكثر ممَّا لأولاد المسلمين , لأن المسيحيين كانوا يسمحون لأولادهم بأن يتعلموا أكثر من أولاد المسلمين . لذلك كنت ترى الأميّين منتشرين بالأكثر بين المسلمين . فكان المسلم يزعم أن القراءة والكتابة لا تطعم الفلاح خبزاً , كما قلنا . والمسيحي يكتفي بأن يعلم ولده (( فك الحرف )) أي قراءة الرسائل و (( تعليق الإسم )) أي كتابة الإسم في الدفتر لا غير .

 

      

 

الباب الرابع :       المَشَايِخ وَالفَلاْحُوْن

 

في الشتاء يصبح الرجال بين الفلاحين بلا شغل , فيقضون أول النهار جالسين في (( مَـنَازِيْـل المَشَايخ )) . أي الغرف المعدة لجلوس الرجال , وفي دور (( المَخَـاتِـير )) يشربون القهوة ويتحدثون عن مصالح البلد العامة والخاصة , وعن المواسم والمزروعات , وعن أمر الأعشار والأموال الأميرية . ويصغون إلى ما يقوله الشيخ ويلقيه على مسامعهم من تنبيهات وتهويلات وقصص سالفة . فيأخذون ما يسمعونه مصدقين ومؤمنين وتكون أقواله عندهم كأنها مُنْزَلة لا مرد عليها .

 

 

 

 فتراه بينهم كقاضٍ يقضي ويأمر وينهى , وهم مطيعون موافقون على كل ما يبدو منه بدون أدنى اعتراض على أقواله , لما له من السلطة والسيطرة عليهم . ومع هذا تراه غير راضٍ عن حياته معهم , فدأبه التذمر . وحتى الآن لا يزال البعض يذكرون أنه كان أحد المشايخ جالساً في (( المَنْزُوْل )) ومعه بضعة رجال بينهم واحد من الذين لهم دالَّة لديه . فأخذ الشيخ يتذمر من فلاحيه , ويندب سوء حظه معهم ويعدّد أتعابه أمامهم وما يقاسي من العناء والتعب في السهر على مصالحهم والذود عنهم , ويتأسف جد الأسف على وجوده بينهم . فقال له الفلاح المومَأ إليه : يا شيخ إن الفلاح الذي يملك فداناً واحداً من الحمير يفلح ويزرع عليه , ويعد نفسه سلطان زمانه وسعيداً في حياته ويكفي بيته مَؤُنة وعيلته طعاماً ولباساً . فأنت يا شيخ تملك من 70 إلى 80 فداناً تأخذ غلالها من ((هالفلاحين)) ( هؤلاء الفلاحين ) , فكيف لا تقوم هذه الغلال بأودك وأود عيلتك ؟ وعلام تتذمر ؟

 

 

وكذلك يذكرون عن شيخ قديم أنه كان قد شاخ وأصبح عاجزاً فسلم (( المشيخة )) إلى ولده الشيخ الشاب . ولما رأى أن ولده يسئ إدارة الفلاحين قام يؤنبه ويوبخه بكلام قاسٍ صعب على الشاب سماعه . فقال لوالده : علامَ توبخني وتعنِّفَني وأنت لم تخلِّف  لي من الأملاك شئ يذكر ؟ فما نصيبي من إرث سيقاسمنيه إخوتي  و أخواتي  السبعة  عشر ؟ فأجابه الوالد : ألا يكفيك ما أورثتك إياه من الفلاحين الذين يربي عددهم على المئة والخمسين فدّاناً ( كذا ) , يفلحون ويزرعون على حسابك وأنت تقاسمهم أتعابهم وهم لك مطيعون . أصلحك الله يا ولدي . فهكذا ظلَّت حال المشايخ مع فلاحيهم حتى أواخر القرن الغابر في النبك وفي جميع أنحاء القلمون , وخصوصا في أيام التجنيد وجميع العسكر أي وقوع القرعة العسكرية .

 

 

 

الباب الخامس :    اَلتَجْنِيْد

 

                                   

لم تكن في ذلك الزمان طريقة أخذ العسكر , التي كان يطلق عليها كلمة ((القرعة العسكرية))  منظمة كما كانت أخيراً . إذ لم يكن إحصاء للنفوس ولا قيود مضبوطة . فكانت الحكومة تُضطر أن تعتمد على ((المشايخ)) أي ((مخاتير)) القرى والقصبات . فكان بيدهم الحل والربط , فيبعثون من يشاؤون من أولاد الفلاحين إلى الجندية , ويبقى من يرضون عنه عند أهله . وكان للشيخ اليد الطولى في هذا الأمر . إذ كان موظفو دائرة التجنيد يأتون من دمشق فيحلّون ضيوفاً على المشايخ ويعقد رجال الحكومة إجماعاً عامَّاً في دار الحكومة يحضره جميع مشايخ النبك والقرى التابعة لها ووجهائها , ويقرأون (( الفرمان )) أي الأمر السلطاني العالي بأخذ العسكر في حفلة رسمية تجمع بين موظفي الحكومة من ملكيين وعسكريين .

 

فتصطف الجنود رافعة سلاحها حتى آخر قراءة الفرمان . فيقوم القاضي أو المفتي بعده بدعاءٍ إلى الله ليحفظ الدولة العلية ويمدّ عُمْرَ ذي الشوكة السلطان عبد الحميد . ويختمونه بصراخ الحضور (( بادشاهم جوق يشا )) أي فليحيَ سلطاننا كثيراً ,ثم يشرعون في انتخاب العسكر أو الجنود وتعيين المدعوين للتجنيد . فيرمون القرعة في دار الحكومة , وتسحب الأوراق المصطلح عليها بحضور هيئة الحكومة ومشايخ البلاد ووجهائها .فكان يأتي الشاب ويمد يده إلى كيس ويسحب منه ((ماسورة)) ضمنها ورقة ملفوفة . فيأخذها منه أحد صغار الضباط ويقرأ مافيها ويعلن قائلاً : ((خالية)) أو ((عسكرية)) . فيرددها الحاجب الذي عند باب الغرفة , فتصرخ والدة الشاب , إما مُزَغردة أو مُوَلْوِلة , لأن الجندي كان يُبعث في ذلك الزمن إلى بلاد بعيدة , كبلاد اليمن أو الروملّي أو كريت أو الجبل الأسود أو بغداد أو أرزروم أو غيرها من ساحات الحروب العثمانية المخيفة .

 

 

 

 

 

الباب السادس :  عَصْرِيَّاْت الفَلاَّحِيْن

 

يظلُّ الرجال في (( منزول )) المختار حتى الظهر تقريباً . فيرجع كلٌّ منهم إلى بيته . وعند العصر يذهبون إلى ساحات البلد العامة . ومنهم من يذهب إلى ساحة الخان , حيث يجلس مفترشاً الأرض ملتفاً بعباءته يصطلي بشمس العصر , مُمَتِّعَاً نظره بمرأى القوافل الآتية من الشمال والجنوب , محدثاً رفقاءه عن الحوادث الحاضرة والسالفة . فتارةً يحدثهم عن (( أشابه )) البلد والجوار أي شجعانها , وطوراً عن مشاهير عرب البادية وأفعالهم وغزواتهم , وأُخرى عن أشياء مستغربة ومستهجنة مما سمعه أو رَآه : كالتلفون وسواه , أو عما جرى له أثناء سفرته القريبة العهد أو البعيدة . ويظلون هكذا حتى المساء فيرجعون إلى بيوتهم .

أما الذين يجلسون في ساحات البلد , فبعضهم يتسامرون كما ذكرنا , وبعضهم يلعبون (( بالمَئْقَلَة )) . وهي قطعة من خشب الجَّوْز بطول 75 سنتيمتراً وعرض 20 وسمك 5 سنتمترات , ويحفرون فيها أربع عشرة حفرة في صفين متحاذيين , وتسمى الحفرة منها (( َبيْتَاً )) فيضعون في كل بيت سبعاً من الحصى الصغيرة الملساء يلتقطونها من النهر . وعلى هذا نظموا فيها هذا اللغز :

 

                      أرملة ولها زوجيـن      عميا بأربعتعشر عين

                     عاقر ما بتجيب ولاد      إلـهـا ميـّه  إلا اثـنـيـن

يجلس اللاعبان على الأرض متقابلين وهي بينهما . فيأخذ كل منهما بدوره في تفريق حصى البيت على البيوت الباقية . فإذا أَلَّفَت آخر حصاة من يده زوجاً أو زوجين أخذهما ربحاً له مع ما ازدوج قبلهما . وهكذا دواليك إلى أن تفرغ المنقلة من الحصى . والغالب من جمع منها العدد الأكبر . فيحق له حينئذٍ  أن يأخذ حصاة لها حدّ ويكشف عن زند المغلوب ويفركه بإصبعه ثم يحاكي ((يقلد)) الجرَّاح في عملية الفصاد , خشية أن (( ينفر دم المغلوب إلى رأسه )) من تأثير الإنكسار . عندئذٍ ينهال الحاضرون على المغلوب بالتهكم .

      

 

 

الباب السابع :     اَلـْوَلاَئِـم 

 

يدخل المدعوون إلى غرفة من غرف الدار بعد ما يلقون السلام . ويخلعون نعالهم في العتبة المفصولة عن باقي الغرفة بحاجز من الخشب يسمونه (( درابزين )) . وتكون الغرفة مفروشة بالسجاد أو البسط والَلبَّاد , وقد مُدَّت في جوانبها الفرش , وفوقها المرافق والوسائد المحشوَّة بالخروق البالية بتَّكِئُون عليها . ولا يكاد يستقر الداخل في موضعه حتى يبادره الحضور , كلٌّ بدوره , بإلقاء التحية قائلين : ((مرحبا)) أو (( مسِّيك بالخير يا أبا فلان )) . فيرد عليهم التحية بأحسن منها .

 

المَوْقَدَة وَالوجاق

 

في إحدى زوايا هذه الغرفة موقد بثلاث أثافيّ من الحجر الصلب مرتبط بعضها ببعض بما يبنون حولها . فتصبح كأنها حجر واحد تتصل بأسفلها من الأمام بحجر مجوّف مقعر يدعى (( الحوم )) تجمع فيه النار . وفوق الموقد مدخنة من حجر ولِبِن وطِين يسمون بعضها الوجاق , وهي كلمة تركية . والوجاق واجهة من حجر الكداني الأبيض المنقوش نقوشاً عربية جميلة , بطول متر وربع وعرض خمسة وسبعين سنتمتراً وسمك عشرة سنتمترات مركزة بين الحائطين فوق الموقد على قاعدتين من أصل الحائط ومرتفعة عنه نحو تسعين سنتيمتراً .

 

 ويسقفونه ببلاط من نوعه , ويبنون المدخنة منه إلى سقف الغرفة حيث يصلونها بكُوَّة يصعد منها الدخان . ففي الموقدة يشعلون النار من الحطب والشيح والفحم و ((الجلَّة)), وهذه كتلٌ من روث البقر , (( الكِرْس )) وهو ما يتلبد من تراكم بعر الدواب واختلاطه ببولها .

 

 

 

اَلْقَهْوَة

 

أول ما يقع عليه نظر الداخل إلى هذه الغرفة , النار وقد صُفَّت عليها أباريق القهوة والشاي الحلبي . وهذا مركَّب من البهارات الحارة كالفلفل والقرفة والقرنفل والجنزبيل وجوز الطيب , المطبوخة مع السكر والمحفوظة أقراصاً . ويصنعونها في حلب . وأمام الموقد صاحب البيت أو أحد أبنائه أو أقاربه  وبيده محمصة من حديد ذات ساعد بطول ثمانين سنتمتراً .

وإلى طرف الساعد سلسلة صغيرة عُلِّقَ بها قضيب من حديد ينتهي بشبه ملعقة يحرَّك بها البنّ عند تحميصه . فمتى فرغ الرجل من تحميص البن يضعه في هاون من الخشب الصلب ليبرد , ثم يدقه بمِدَقَّة من الخشب عينه يسمونه (( المِهْبَاج )) دقَّاً موزوناً له إيقاع يستحسنه الحضور بينما الرجل يفتخر ويباهي بموسيقاه المُطربة .

حينئذٍ يأخذ في طبخ القهوة بشئ من الخمير المحفوظ في الأباريق ( أي ما تبقى من القهوة المطبوخة سابقاً ) . فيضيف إليه الماء اللازم , ويغليه جيداً . ويسكب منه في إبريق مخصوص بالطبخ مع القهوة المدقوقة حديثاً . ويحترس لئلا تمس يده القهوة المدقوقة خوفاً من أن يعلق بها من يديه رائحةً أو طعم غريب يذهبان (( بنكهتها )) . وحينما تنضج يضع لها حب ((الهال)) مدقوقاً ويروّقها أي يسكبها في إبريق ثالث يختص بالقهوة (( البكر )) كما يقولون , ثم يصب من إبريق الخمير فوق الإبريق الذي طبخت فيه القهوة شيئاً من الخمير ويلصقه بالنار لكي يُطبخ ثانيةً , وهذه يسمونها ((التنوه)) . ويصب من البكر قليلاً في الفنجان ويحرّكه حتى يتلوث داخله منها , ويصب ما فيه في الفنجان الثاني ويعمل به كما عمل بالأول , ويرمي مافيه على الأرض . وهذه يسمونها (( حصة الشاذلي )) لاعتقادهم أن الشاذلي هو الذي ابتدع شرب القهوة أو هو أول من شربها , وأنهم إذا لم يرموا هذه من الفنجان إلى الأرض ينقلب الإبريق وتُراق القهوة حتماً . ثم يَصُبُّ القهوة بفنجـان ويشربها هو نفسه على مرأى من الحضور طمأنة لهم . ثم يدور عليهم ويسقيهم أولاً وثانياً . وهم يشربون ويعيدون الفنجان قائلين : (( دائمة )) , أي عسى أن تكون قهوة دائمة . فيجيبهم الساقي : (( صحتين )) .

 

وكانت القهوة في تلك الأيام لا تُصنع إلاّ في بيوت المشايخ والوجهاء المثرين , أو في الأفراح والولائم . وما كنت ترى أباريق القهوة إلاّ في بيوت هؤلاء . وعند الحاجة إليها يستعيرها من يقيم الأفراح في بيته . وكانت القهوة المشروب الوحيد الفاخر عندهم , وكانوا لا يعرفون غيرها من المشروبات المنعشة أو الكحلية مطلقاً , بل كانت نفوسهم تشمئز من ذكرها , مسلمين كانوا أم مسيحيين , وظلوا على ذلك حتى أواخر القرن الغابر .

           

تَنَاوُل اَلطَعَام

بعد ما يكمل عدد المدعوين يضعون في وسط الغرفة (( سفرة )) من الخشب ترتفع عن الأرض مقدار نصف ذراع . ويضعون عليها ((المنسف)) , وهو وعاء من نحاس كبير مقعر ملآن من الأرز أو البرغل المطبوخ بالسمن , في الوسط , وحوله صحاف فيها من أنواع الطبيخ المختلفة , لكل مدعوّ من كل شكل صحفة مملوءة .

ويضعون أيضاً من خبز التنور أكداساً , وملاعق خشبية على عدد المدعوّين . فيبدأ صاحب البيت قائلاً : (( تفضلوا على الميسور )) . فيجيبونه : (( ميسور غانم )) .

ويدنون إلى السفرة بحشمة واحترام الواحد بعد الآخر , كلٌّ بحسب منزلته , حتى تمتلئ المواضع حول السفرة . فيأخذون في الأكل بعد البسملة , بدون أن َينْبِس أحدهم ببنت شفة . إذ كانوا يعتقدون أن الكلام حول السفرة حرام , ويقولون : (( لا سلام ولا كلام على الطعام )) . فيأكلون صامتين , فلا يسمع من في البيت غير صوت التهامهم الطعام . وكانوا يفضلونه حارّاً جداً حتى الغليان .

فكان الواحد منهم (( يَشْرِق )) مافي المعلقة من الحساء (( شَرْقَاً )) عنيفا ً ( أي يرتشفه ارتشافاً ) فيُسْمَع له صوت عالٍ , ويَمْضَغ مَضْغاً لا يتفق مع آداب المائدة في أيامنا هذه . ويتسابقون بسرعة التهام الطعام . فمن أقوالهم المأثورة (( كل أكل الجمال وقم قبل الرجال ))

وترى صاحب البيت وأولاده وإخوته واقفين , وبأيدي بعضهم الماء للشرب , وبأيدي الآخرين صحاف مملوءة من أنواع الطعام . فيتفقدون الصحاف والمنسف لئلا ينفد مافيها فيصبّون في ما نقص منها قائلين : (( يا مية أهلا وسهلا , ويا حلّت البركة , صحتين وهنا , الأكل على قد المحبة يا جماعة )) .

وكلما قام واحدٌ من المدعوين يلمس طرف السفرة بأنامله ويرفع يده إلى فمه مقبلاً إياها , حامداً الله , قائلاً : (( دائمة إن شاء الله )) . فيأخذ غيره محله , إلى أن يأكلوا جميعهم ويرجعوا إلى مجالسهم الأولى . وعندما تُرفَع السفرة وما عليها يقول المَدْعُوُّون جميعاً : (( سفرة دائمة إن شاء الله )) .

 ويأخذون يتسامرون , ويتجاذبون تلك الليلة أطراف الأحاديث .

 

 

 

 

 

الباب الثامن :  السَّهْرَات

 

بعدما يشربون القهوة والشاي الحلبي , والتبغ (( بالسبيـــل )) أو (( الغليون )) , والتنباك في (( الأركيلة )) أي النارجيلة , ( وتكون غالبا جوزة من جوز الهند مهيأة كما في الرسم ) .

 

 

 

كانوا في ليالي الشتاء الطويلة يأتون بمن يحسن القراءة وله صوت جميل , فيقرأ لهم إما سيرة عنترة بن الشداد أو قصص بني هلال ويسمونها (( تغريبة بني هلال ))  أو قصة الزير أبو ليلى المهلهل , أو يقص عليهم قصصاً لا أصل لها أبطالها من الجن والمردة يلفقها بحسبما توحي إليه قريحته أو مما سمعه ووعاه من غيره , فيذكر لهم ((خاتم المارد)) , يفركه عند الإحتياج فيأتيه المارد ملبيَّاً  له كل ما طلب قائلاً : (( لبيك , عبدك بين يديك )) . ويذكر لهم (( طاقية الإخفا )) لكي يلبسها عند الحاجة فتخفيه عن عيون الناس وهو يراهم . و (( الشعرات السبع )) , و (( الريشة من الحصان أو من الطير )) ليحرقها عندما يقع في مشكل أو خطر , فيأتيه الحصان أو الطير فيستخدمهما لكل ما يلزمه ليخلص من كل ضيق .

 

لُعْبَة الصِّيْنِيَّة

 

أو يلعبون بلعبة الصينية . وعليها تسعة (( فناجين )) أو أقداح صغيرة يخبئون خاتماً تح